العيني
19
عمدة القاري
القرآن ، وسورة الإخلاص أكثر تيسرا من الفاتحة ، فما معنى تعيين الفاتحة في التيسر ؟ وهذا تحكم بلا دليل . وأما قوله : أو على ما زاد على الفاتحة ، فمن أين يدل ظاهر الحديث على الفاتحة حتى يكون قوله : ( ما تيسر ) دالاً على ما زاد على الفاتحة ؟ ومع هذا إذا كان مأمورا بما زاد على الفاتحة يجب أن تكون تلك الزيادة أيضا فرضا ، مثل قراءة الفاتحة ، ولم يقل به الشافعي . وأما قوله : أو على من عجز عن الفاتحة ، فحمله عليه غير صحيح ، لأنه ما في الحديث شيء يدل عليه . وفي حديث رفاعة بن رافع : ( ثم اقرأ إن كان معك قرآن ، فإن لم يكن معك قرآن فاحمد الله وكبر وهلل ) . كذا في رواية الطحاوي ، وفي رواية الترمذي : ( فإن كان معك قرآن ، فإقرأ وإلاّ فاحمد الله وكبره وهلله ) . وكيف يحمل قوله : ( إقرأ ما تيسر ) على من عجز عن الفاتحة وقد بين صلى الله عليه وسلم حكم العاجز عن القراءة مستقلا برأسه ؟ السادس : في قوله : حتى تطمئن ) في الموضعين ، يدل على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود . السابع : قال الخطابي في قوله : ( وافعل ذلك في صلاتك كلها ) دليل على أن عليه أن يقرأ في كل ركعة ، كما كان عليه أن يركع ويسجد في كل ركعة ، وقال أصحاب الرأي : إن شاء أن يقرأ في الركعتين الأخريين قرأ ، وإن شاء أن يسبح سبح ، وإن لم يقرأ فيهما شيئا أجزأته ، ورووا فيه عن علي بن أبي طالب أنه قال : يقرأ في الأوليين ويسبح في الأخريين من طريق الحارث عنه ، وقد تكلم الناس في الحارث قديما ، وطعن فيه الشعبي ، ورماه بالكذب ، وتركه أصحاب ( الصحيح ) : ولو صح ذلك عن علي لم يكن حجة ، لأن جماعة من الصحابة قد خالفوه في ذلك منهم : أبو بكر وعمر وابن مسعود وعائشة وغيرهم ، رضي الله تعالى عنهم ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى ما اتبع فيه ، بل قد ثبت عن علي من طريق عبيد الله بن أبي رافع أنه كان يأمر أن يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة ، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب . انتهى . قلت : إن سلمنا أن قوله ذلك دل على أن يقرأ في كل ركعة ، فقد دل غيره أن القراءة في الأوليين قراءة في الأخريين ، بدليل ما روي عن جابر بن سمرة قال : شكا أهل الكوفة سعدا . . الحديث ، وفيه : ( وأحذف في الأخريين ) ، أي : أحذف القراءة في الأخريين ، وقد مر الكلام فيه مستوفىً في هذا الباب ، وتفسيرهم بقولهم : أقصر القراءة ولا أحذفها ، خلاف الظاهر ، وإن طعنوا في الرواية عن علي من طريق الحارث فقد روى عبد الرزاق في ( مصنفه ) : عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن أبي رافع ، قال : كان علي يقرأ في الأوليين من الظهر والعصر بأم القرآن وسورة ، ولا يقرأ في الأخريين ، وهذا إسناد صحيح ، وهذا ينافي قول الخطابي ، بل قد ثبت عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، من طريق عبيد الله . . الخ ، وقوله : لأن جماعة من الصحابة قد خالفوه ، غير مسلم ، لأنه روي عن ابن مسعود مثله ، على ما روى ابن أبي شيبة ، قال : حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن علي وعبد الله أنهما قالا : قرأ في الأوليين وسبح في الأخريين ، وكذا روى عن عائشة ، وكذا روى عن إبراهيم وابن الأسود . وفي ( التهذيب ) لابن جرير الطبري : وقال حماد عن إبراهيم عن ابن مسعود ، إنه كان لا يقرأ في الركعتين الأخريين من الظهر والعصر شيئا . وقال هلال بن سنان : صليت إلى جنب عبد الله بن يزيد فسمعته يسبح ، وروى منصور عن جرير عن إبراهيم قال : ليس في الركعتين الأخريين من المكتوبة قراءة ، سبح الله واذكر الله . وقال سفيان الثوري : إقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة ، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب أو سبح فيهما بقدر الفاتحة ، أي : ذلك فعلت أجزأك ، وإن سبح في الأخريين أحب إلي . فإن قلت : لم يبين في هذا الحديث بعض الواجبات : كالنية والقعدة الأخيرة وترتيب الأركان ، وكذا بعض الأفعال المختلف في وجوبها كالتشهد في الأخير ، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وإصابة لفظة السلام . قلت : قيل في جوابه : لعل هذه الأشياء كانت معلومة عند هذا الرجل ، فلذلك لم يبينها قيل : يجوز أن يكون الراوي اختصر ذكر هذه الأشياء لأن المقام مقام التعليم ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، ولهذا قال الرجل في حديث رفاعة ، فيما رواه الترمذي : ( فأرني وعلمني فإنما أنا بشر أصيب وأخطىء ) . وقوله : ( علمني ) ، يتناول جميع ما يتعلق بالصلاة من الواجبات القولية والفعلية . قلت : فيه تأمل ، وقال ابن دقيق العيد : تكرر من الفقهاء الاستدلال بهذا الحديث على وجوب ما ذكر فيه ، وعلى عدم وجوب ما لم يذكر ، أما الوجوب فلتعلق الأمر به ، وأما عدمه فليس لمجرد كون الأصل عدم الوجوب ، بل لكون الباب موضع تعليم وبيان للجاهل ، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر . انتهى . قلت : إنما يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر أن لو لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم جميع الواجبات التي في الصلاة والذي لم